المقداد السيوري
64
كنز العرفان في فقه القرآن
ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ » ( 1 ) قال الباقر عليه السّلام : « أمره اللَّه تعالى أن يخصّ أهله دون النّاس ليعلم النّاس أنّ لأهله عند اللَّه منزلة ليست للنّاس فأمرهم مع الناس عامّة ثمّ أمرهم خاصّة » ( 2 ) . 2 - اصطبر عليها أي احمل نفسك على الصّلاة ومشاقّها وإن نازعتك الطَّبيعة إلى تركها طلبا للرّاحة فاقهرها واقصد الصّلاة مبالغا في الصّبر ليصير ذلك ملكة لك ولذلك عدل عن الصّبر إلى الاصطبار لأنّ الافتعال فيه زيادة معنى ليس في الثّلاثيّ وهو القصد والتّصرف ولذلك قال [ اللَّه ] تعالى : « لَها ما كَسَبَتْ » بأيّ نوع كان من الفعل : « وعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » ( 3 ) بالقصد والتّصرف والمبالغة رحمة منه تعالى بعباده وإذا وجب عليه صلَّى اللَّه عليه وآله الاصطبار وجب أيضا علينا لما قلناه والقائم بذلك يحصّل أعلى المراتب إذا لم يكن متحرّجا منها ومستعظما لها كما قال اللَّه تعالى : « وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ » ( 4 ) . 3 - لمّا كان قبل هذه الآية النّهي عن النّظر إلى زخارف الدّنيا ( 5 ) وكان المقصود بالذّات من الأمر بالصّلاة الاشتغال بها عن النّظر إلى تلك الزّخارف الدنيويّة فلا ينبغي أن يكون بشيء من ذلك مشتغلا عن الصّلاة بل إذا عرض في النّفس شيء من الميل إليها ينبغي الإقبال على الصّلاة والاصطبار عليها ليكون ذلك صادّا للطبيعة عن الميل إلى خلافه ولذلك كان عروة بن الزّبير إذا رأى الزّخارف عند الملوك قرأ هذه الآية ثمّ نادى الصّلاة الصّلاة رحمكم اللَّه . 4 - لمّا كان النّهي عن النّظر إلى الزّخارف والأمر بالصّلاة يمكن أن يقال معه أنّ من جملة ذلك الرّزق الَّذي لا بدّ منه أردف ذلك بقوله : « لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً » إي طلب رزق بل اكتف برزق يأتيك ولا تكلَّف نفسك بالطَّلب فإنّه يشغلك عن الآخرة
--> ( 1 ) التّحريم : 6 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 7 ص 37 . ( 3 ) البقرة : 286 . ( 4 ) البقرة : 45 . ( 5 ) وهي : « ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأَبْقى » .